السيد محمدحسين الطباطبائي

56

تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن

مقدّمة للهداية إلى سبل السلام ، ثمّ أضاف إليه الإخراج من الظلمات إلى النور وجعل المجموع كالمقدّمة للهداية إلى صراط مستقيم ، والتنكير فيه للتفخيم ، وقال أيضا : وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ، « 1 » فمن الشرك وهو ضلال ما يوجد في المؤمنين ، ولهم سبيل إلى ربّهم ، فقد يجتمع الضلال مع سبيلهم ، لكنّه لا يجتمع مع الصراط المستقيم . فظهر أنّ مثل الصراط المستقيم بالنسبة إلى السبيل مثل الروح بالنسبة إلى البدن ، فكما أنّ للبدن أطوارا في مدّة حياته هو عند كلّ طور غيره عند طور آخر ، كالصبا والطفوليّة والرهوق والشباب والكهولة والشيب والهرم ، لكنّ الروح هي الروح ، والبدن يمكن أن يطرأ عليه طورا تنافي ما تحبّه وتقتضيه الروح إذا خلّيت ونفسها ، بخلاف الروح فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها ، « 2 » والبدن مع ذلك هو الروح ، أعني الإنسان ، فكذلك السبيل إلى اللّه سبحانه هو الصراط المستقيم ، غير أنّ السبيل كسبيل المؤمنين وسبيل المتّقين أو غير ذلك من سبل اللّه سبحانه ربما وصل إليه آفة من خارج أو نقص ولن تصل إلى الصراط المستقيم . كما عرفت أنّ الإيمان ربما يجتمع مع الشرك والظلم ، وهو سبيل ، ولا يجتمع مع شيء من ذلك الصراط المستقيم ، فللسبيل مراتب كثيرة بعضها فوق بعض من جهة خلوصه وشوبه وقربه وبعده ، والجميع على الصراط المستقيم ، أو هي هو . قال سبحانه : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ ، « 3 » والأخبار في درجات الإيمان والكفر كثيرة مستفيضة .

--> ( 1 ) . يوسف ( 12 ) : 106 . ( 2 ) . الروم ( 30 ) : 30 . ( 3 ) . المجادلة ( 58 ) : 11 .